نشرت تحت تصنيف رسائل

رسالة إلى غ

العزيزة غ

لم أختبر الغربة في حياتي وحسب، بل أصبحت رفيقتي الدائمة، الغربة التي تتنزه في داخلي، وأفعل الأمر نفسه في داخلها. أنظر لكلّ شيء حولي بازدراء، كلّ شيء أصبح باهتًا في عيني. أتوجس من تمدد هذه الأيّام، في كلّ مرّة، بالشجن ذاته، الوحدة ذاتها، ومع كل غسق، تعيد تشكيل نفسها؛ لتنبثق لاحقا بإشراقة تهكّميّة، وحال بزوغها يقولُ: أنا الإشراقة المخلصة الوحيدة في حياتك، التي لن تنطفئ. أبدًا.

حاولت الانسلاخ كثيرًا من ذاتي الجديدة، غير أنّ الأمر لم يعد مجرد شربة ماء، ولست طفلة متّسخة، تبدّل ثيابها؛ لإصلاح الأمر. ولا زلت في كلّ لحظة أتساءل:

“فهل ترجعُ الدارُ بعد البُعد آنسةً

وهل تعود لنا أيّامُنا الأُوَلُ؟”

رغم يقيني بالإجابة، أرجو أن تعود كلّ الأشياء مألوفة، وألّا تتوشح بالغربة أكثر.

وبالرغم من أنّ هذه الغربة لا تكف عن التكاثر في صدري، فأنا أردد على نحوٍ مستمر ما قاله محمود درويش:

“أدرّب قلبي على الحب، كي يسعَ الوردَ والشّوك”.

فأنت يا “غ” الشوك الذي يؤلمني، واستحسان النّاس وشعورهم اللطيف نحوي، ليس إلّا تدريبًا لقلبي على الحبّ والمحبّة واحتواء الورد، وهذا مما يهوّن مساوئ الحياة، ويقلل من وطأتها المريرة على قلبي، غير أنّني الآن لست قادرة على فعل أي شيء، سوى الامتنان والتقدير، أقدّر هذا الشعور الأنقى، وأدعو الله أن لا يخبو، ويبقى في حياتي.

رفيقتك الوفيّة

نشرت تحت تصنيف رسائل

رسالة إلى مجهول

إلى العزيز الذي لا أعرف،
اسمح لي أن أبدأ رسالتي بمقطعٍ من أغنية جوليا بطرس “يومًا ما”:
“بكرة بيخلص هالكابوس
وبدل الشّمس بتضوي شموس
وعلى أرض الوطن المحروس
راح نتلاقى يومًا ما”

كم تبدو الحياة مرعبة، أن يتوق المرء إلى شخصٍ مجهول، يشعر تجاهه بالحبّ والشوق، ويؤمن أنّه سوف يلتقي به ذات يوم. الحاجة الغريبة إلى كائنٍ ما، في نفس المحيط، يكتب له الإنسان، ويتحدث معه ويشاركه أبسط التفاصيل، دون أن يعرف أحدهما الآخر، دون أن تشتعل جذوة الفضول داخل قلبيهما، ومن دون توقعات أو أحكام مسبقة. فقط لأنّ لحظة واحدة من الفضفضة فارقة، لحظة التخفف من ثقل الذاكرة، والثرثرة، قادرة على خلق المعجزات كما تفعل القنابل. لأنّ الرّوح تعِبة، معطوبة، ومحتشدة بشظايا الزّمن، والفجائع اللانهائية؛ يحتاج المرء إلى كائنٍ مجهول.

أدرك جيّدًا الصراعات التي نخوضها جميعنا مع أنفسنا، مع المحيط، ومع أشياءٍ مجهولة. لأنّني جزء من هذا الكون، أتأثّر بما يحصل فيه رغمًا عنّي، وعن المسافات الشاسعة، نحن نتأثر بما يحصل للآخرين، لأنّنا كتلة واحدة، وكينونة جميع أجزائها متّصلة ببعضها البعض، لأنّك أنا، ولأنّني أنت، لأنّنا من الطبيعة الأم، والطبيعة من الله، ونحن بطريقةٍ ما، منه وإليه.

تبدو الحياةُ مرعبة أكثر أثناء هذه الأزمة، أزمة كورونا، التي لا تنفك في كل يومٍ عن إثبات أنّ الموت هو الحقيقة التي اتّفق عليها الجميع. وأنّنا جميعًا لسنا سوى كائنات هشّة. كورونا، الكائن الصغير الذي صيّر العالم إلى معاناةٍ مشتركة، ومأساة واحدة. الإصابات التي لا تتضاءل، والإعلان عنها أضحى بمثابة مزاد عالمي، نستيقظ على سؤال: “كم وصل عدد الإصابات اليوم؟”، ونمسي على أملِ تلاشي هذه الغمامة. الحجر المنزلي، يتمدد إلى أجلٍ مجهول، واتّصالي بالطبيعة يتضاءل، شيئًا فشيئًا، الطبيعة الأم التي تحتويني وتمدّني بالطاقة، وتعيد لي انتعاش الحياة، الذي أفتقده الآن على نحوٍ كثيف جدًا.

رغم كلّ شيء، أراقب المشهد بهدوء شديد، وأرى الهلع يلمع في وجه الكون، أرى الندوب التي تتكاثر في جبينه، وهذه الندبة، ندبة كورونا المحفورة في صدره، ليست إلّا وشمًا، لن يمحى من الذاكرة، إطلاقًا. لكنّني أؤمن أنّ الأقدار القادمة ستكون خيرًا، وطالما أنّ الموت هو النهاية لهذه الرّوح الرقيقة، فإني لا آخذ الحياة بجديّة مفرطة، وأحمّل المشهد ما لا يحتمل. سوف أضحك، وألعب، وألهو، وأرقص، وألقي النكات، وأكتب القصائد والرسائل، وأقرأ كتبًا كثيرة وروايات، وأقبّل أفراد عائلتي وأعانقهم كما لم أفعل من قبل، وألمع وأتوهج، على عكس ما تقتضي هذه الحياة. سوف أقتفي الضّوء، أينما وجد، وأحشره في قلبي، وألوّن به وجهي؛ لأبقى مشرقة، إلى الأبد. ولو أنّ الله منحني أيّامًا أخرى، سوف أسأله أن يمنحني روحًا خفيفة مثل عصفورة، وألّا أكف عن كوني مرحة.

الخميس
26 مارس 2020.

نشرت تحت تصنيف شطرٌ وقافية

بالحبّ صيّر طينَنا

بالحبّ صيّر طينَنا

بالحبّ يمحو الآهْ

بالوردِ عبّأ روحنا

ومِن الدّموعِ سقاهْ!

القلبُ وضّأ نبضهُ

حيَّ عليهِ صلاةْ

تالله لا حَول لنا

لا قوّة إلّاهْ

فمتى يكونُ لقاؤنا

اللهُ يا الله؟

نشرت تحت تصنيف فضفضة ليلية

حزينةٌ بما يكفي

حزينة بما يكفي لأرتدي وجهًا آخر. وجهي المتعب، الطافح بالألم والخيبة.

حزينة بما يكفي لأتوقف عن الكفاح والمقاومة. وأستمر في البكاء والهطول الدمعي الغزير، دون توقف.

حزينة بما يكفي لأرى الحياة تدهس أحلامي، وتلقي بها على الأرصفة، وأنا أجوب الشوارع بحثًا عن حلم واحد يمدّني بالحياة، ولا أجد.

حزينة بما يكفي لأشرع النافذة للشمس، حيث تتكسّر رؤاي بين ارتعاش الضوء، وانكسارات الظلال.

حزينة بما يكفي لأسمع وقع الكلمات/كلماتهم حين تدوي في قلبي الفارغ والمجوف.

حزينة بما يكفي، لكنني أستطيع أن أمد من حزني بهجة لمدينة محتشدة بالحزانى. وأقنع أكثر النّاس بؤسًا أنّ الحياة تستحق أن تعاش.

حزينة بما يكفي لأعبّر عن هذا الحزن، بلغة شفيفة. لغة الشجن واللوعة والوجع.

ورغم أنني حزينة بما يكفي، إلّا أنني قوية بما يكفي لأحمل هذا الثقل، في هذه الكينونة الرقيقة، دائمًا، وأبدًا. وأكمل الحياة.

نشرت تحت تصنيف رسائل

إلى جواهر ..

العزيزة جواهر،

تحيّة، أو دون رسميات.

رغم أنّ كلامي “البلسم واجد” يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكنّني لسببٍ أجهله أودّ الردّ عليك.

شاهدتُ اليوم فيلمًا عن الشّعر، والتقطت اقتباسا منه: “الشّعرُ هو ذريعة للحياة”. هذا عزاء رقيق بالنسبة إلى شاعرٍ، أو متذوق ذو شعور جارف. لكن ماذا عنكِ، هل الكتابة هي ذريعتك للحياة؟ كونك كاتبة عذبة ومرهفة!

ما الذي يجعل جواهر تحبّ الحياة وتتمسك بها، ما هو الشيء الذي ستجعلين منه ذريعة لأجل البقاء؟ الحُبّ؟ الدهشة؟ الجمال، المعرفة، الموسيقا، الكتب، وجهك الطفولي الذي أشتاقه، أم الرّوح؟

الرّوح التي لم نجد لها إجابات شافية تروي ظمأ الشّك، وتسدّ جوع المعرفة والفضول؟

لا أخفيك، أشعر أنّ الجو العام كئيب، وأشعر بأنّك تشاطريني الشعور ذاته، لكنّني أجزم بضرورة وجود هذه الكآبة في حياة المرء؛ ليشتاق إلى السّلام والطمأنينة والحياة الملوّنة.

الحياة لن تشرق في كلّ يوم بالتفاصيل ذاتها، والأشياء كما هي، ووجه الكون لن يضحي وضّاءً كما في الليلة السابقة. كلّ جزء من الوجود يتجدد في كلّ لحظة، ونحن كذلك! وكما يقول حمزة:

“من قال إنّ الليالي لا تغيرنا

وإنما نحن مخلوقون من قلقِ”

نحن، أنا وأنت وهم، يعيد الكون تشكيلنا، مثل عجينة صلصال، يهرسنا، ويقسو في العجن، بأقصى ما يمكن، لنحظى بالنسخة الأجمل منّا.

لا بدّ للمرء أن يجرّب الاحتراق؛ ليتوهج ويضيء بما يكفي؛ لتبديد عتمة الطريق غير المرئي، ويكمل المسير، كما تقتضي الأيّام، حتّى يغدو كلّ شيء مرئيًا وواضحًا ولامعًا.

من لا يحترق في الحياةِ يا جواهر، سيموت شاحبًا، دون ضوء، دون بريق، ودون أثر.

كوني متلألئة، دائمًا، مثل اسمك!

أحبّكِ يا صغيرتي الملائكية.

الأربعاء

2020/4/1 م

نشرت تحت تصنيف شطرٌ وقافية

قصيدةٌ وذكرى ٢٠١٩.

قصيدتي “سُنبلة” الفائزة بالمركز الثاني في مسابقة ملتقى الإبداع الطلابي ٢٠١٩/ شرّفني بإلقائها الأستاذ عيسى البوصافي في مجلس السّيد قحطان البوسعيدي (مجلس السّبت)

رابط الفيديو:

https://m.facebook.com/majlesassabet/posts/1547205572082219

نشرت تحت تصنيف رسائل

الحياةُ رحلة حبّ.

إلى العيون الغريبة، التي ستقرأ رسالتي، عانقي هذه الكلمات في لحظة لامعة، تنبض بالحياة، كما تعانقي التفاصيل برقة وجمال.

الحياةُ سفر. الحياةُ رحلةُ حبّ. الحياةُ غربةٌ فضفاضة، وارتحال مستمر، من ضفةٍ إلى أخرى. وكأنّ فيروز حين غنّت:
“واغترابٌ بي وبي فرحٌ
كارتحال البحر بالسفنِ”
كانت تقصدني أنا. آه ما أطول هذا الارتحال في بحرٍ لا امتداد له.

في كلّ جزء من الحياة، ثمّة تذكرةٌ مجّانيّة. ولحسن حظي مُنِحتُ رزمة تذاكر، وسافرت عبر أجزاء كثيرة، وفي كلّ مرّة، أكتشف عالمًا جديدًا آخر، يحتشدُ برقة متناهية. قرأتُ آلاف القصص في وجوه العابرين، في الطرقات والشوارع. في الخطوات المتقطعة قبل الاعتراف بالحبّ لأوّل مرّة. في الملامح البكّاءة في المطارات، والنظرات المتلألئة في قاعة القادمون، أولئك الذين يدسّون في قلوبهم حفنة ذكريات، أكثر مما تحمله حقائبهم. في آثار الأقدام والخطوات اللانهائية على رمال الشواطئ. في الارتعاشات الواضحة على المسارح، واشتباك الأصابع، والابتسامات الشفيفة. في تغريد العصافير، وتحليقها الحرّ إلى آفاق مجهولة. في تعرّجات الضّوء وانتفاضه بين أحضان شمعة عبقة باللاڤندر.

أبحرت عبر الموسيقا والحناجر الرقيقة التي ترتعش فيها القصائد. مع مقطوعات نصير شمّة، في يوم وليلة، ونبتدي الحكاية منين، ومقطوعة عم أحمد لعمر خيرت. مع المقطوعات الطويلة، والمرهفة جدًا لجيوفاني. في قارب الحبّ، مع صوت ماجدة الرّومي، وهي تهدهد الرّوح بعذوبة، وتغنّي:
“ابحث عنّي
أنا في مكانٍ ما
أغوصُ
وأنتظر عينيك”

وفي القارب ذاته، حين صدحت فيروز بحنجرة بيروتية دافئة:
“أنا لا أرضٌ ولا سكنٌ
أنا عيناك هما سكني”

لمستُ ذاتي المتشظّية، والمتهالكة في هذه الغربة، عندما تناهى إلى الفؤاد، صوت القيصر، ببحةٍ عراقية عتيقة:
“لا تهتمي في إيقاع الوقت
وأسماء السنوات
أنتِ امرأة
تبقى امرأة
في كلّ الأوقات”

سافرتُ مع الكتبِ كثيرًا، مع أصوات كتّاب ماتوا منذ زمن، لكنّ كلماتهم تحدّثني على نحوٍ دائم. آه كم يحتشد رأسي باقتباسات غزيرة، وأفكار لا نهائية عن الفلسفة والشّعر والأدب. سافرتُ مع نيتشه، في فيلم “عندما بكى نيتشه”، وشعرتُ أنّه -بطريقة ما- كان يقصدني في أحد حواراته قائلًا: “أنت تقف خارج حياتك، حزينًا، ناشدًا حياةً أخرى، لم تعشها”، وتساءلت عن عدد اللحظات التي فاتتني، رغبة منّي في الحصول على الأفضل!
بعد كلّ رحلة كنت أعود محمّلة بحكم ونصائح عديدة، وكم ذاب قلبي لهذه النصيحة: “لا تنظري للعالم من خلال رأسك، بل من خلال قلبك، وبذلك، تعرفين الله”، من فيلم طعام صلاة حبّ.

سافرتُ مع الفقد، في حديثِ جدتي، حين تصف حزنها بعد رحيلي دائمًا، بنبرةٍ بكّاءة: “لمّا رحتي عنّي، حسيتش جذبتي روحي معاش”. عبرتُ ماء الفلج، المكتحل بالحبّ، إلى دهشةٍ خالدة. وفي لحظات تأمل طويل، تساقطتُ من النخيلِ مع الحنين وأغصان الماضي. حلّقتُ في إيقاعات القرية الصغيرة، وصوت الطبيعة، في ضيق الأزقة، وشساعة القلوب، في براءة الأطفال، وبساطة النّاس.
في رسالة دافئة من غادة، قالت فيها: “أنا ولو أخطأت، تواسيني. فجأة يكون العالم في كفة، وأنا وأنت وخطئي في كفة أخرى. هذا هو الاحتواء إللي لقيته معش، وما لقيته في شخص آخر أبدًا”، كم أغبط نفسي على صديقة حقيقية مثل غادة.

سافرتُ كثيرًا في الحياة عبر سفينة الاحتمالات اللانهائية، وفي كلّ سفر، أتذكّر بيت الشّاعر أحمد الشعيلي:
“من يقنع النّردَ مزهوّا برقصته
بأنّ أوجهه محضُ احتمالات”
ومن يقنع المرء، بأنّ الحياة ليست إلّا نردًا!

ارتحلت بعيدًا، بكلّ الحبّ والبهاء الروحيّ الخالص، شعرتُ بالانتماء في أسفار كثيرة، تجاه أماكن وأرواح عديدة وغير مألوفة، وشعرتُ أكثر بعدم الانتماء لأيّ شيء، في هذا الوجود. تحرّرت من كينونتي الصغيرة، خارج الزمكان، وإلى ما وراء الأفق، مع القصائد البديعة. ولطالما كان يقفز قلبي بين السطور، بخفة ووداعة حين أقرأ شعرًا حقيقيًا. لذلك هذه الأبديّة، أبديّة الارتحال، تستكين هُنَا، في قصيدة ريلكه:
“دع كلّ شيء يحدث لك
جميلًا كان أم مريعًا
وامضِ قدمًا فقط
من دون الشعور
بأنّها النهاية”